التبريزي الأنصاري

384

اللمعة البيضاء

العلوم النظرية ، فكما ان الحيوان تهيئ الجسم للحركات الاختيارية ، والادراكات الحسية ، فكذلك القوة الغريزية تهيئ الإنسان للعلوم النظرية ، والصناعات الفكرية . ومنها قوة عواقب الأمور ، فتقمع الشهوة الداعية إلى اللذة العاجلة ، وتتحمل المكروه العاجل لسلامة الآجل ، فإذا حصلت هذه القوة يسمى صاحبها عاقلا ، من حيث إن اقدامه بحسب ما يقتضيه النظر في العواقب لا بحكم الشهوة العاجلة ، والقوة الأولى بالطبع والأخيرة بالاكتساب . وإلى ذلك أشار علي ( عليه السلام ) بقوله : رأيت العقل عقلين * فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع * إذا لم يك مطبوع كما لا تنفع الشمس * وضوء العين ممنوع ( 1 ) قيل : والمطبوع هو المراد بقوله تعالى خطابا له : ( ( ما خلقت خلقا هو أحب إلي منك ) ) ( 2 ) والمسموع هو المراد بقوله ( عليه السلام ) : ( ( ما كسب الإنسان شيئا أفضل من العقل ) ) ( 3 ) . ومنها قوتان أخريان ، إحداهما ما يحصل بها العلم بان الاثنين أكثر من الواحد ، والشخص الواحد لا يكون في مكانين ، فيقال له التصورات والتصديقات الحاصلة للنفس الفطرية ، والأخرى التي يحصل بها العلوم المستفادة من التجارب بمجاري الأحوال ، فمن اتصف بها يقال إنه عاقل في العادة ، والأولى منها حاصلة بالطبع ، والأخرى بالاكتساب كالأوليين ، إنتهى . وهذه عقول أربعة مشهورة ، وترتيبها على ما ذكره بعضهم : العقل الهيولاني كما في الطفل ، ويقال العقل بالقوة ، والعقل المنفعل وهو الأول من الأوليين ، ثم

--> ( 1 ) ديوان الإمام علي ( عليه السلام ) : 92 رقم 189 . ( 2 ) المحاسن 1 : 306 ح 602 ، عنه البحار 1 : 96 ح 3 ، وفي الكافي 1 : 10 ح 1 . ( 3 ) المحاسن 1 : 308 ح 609 ، عنه البحار 1 : 91 ح 12 ، وفيه : ما قسم الله للعباد شيئا .